الدكتور أحمد ماهر عبد العليم.. سلالة الكبار

الدكتور أحمد ماهر عبد العليم.. سلالة الكبار ..كنت في الصف السادس الابتدائي حين سمعت الاسم للمرة الأولى، ولم أكن سمعت به من قبل ولا أعرف من هو، إلا حين ولدت أمي؛ وأصَرّ جدي على تسمية المولود باسم ماهر، كما انتشرت فيما بعد تسمية أهالي البلد لمواليدهم باسم ماهر وأحمد ماهر، تيمنا في اسم ذلك الرجل الذي يحتل مكانة متميزة في ذاكرتهم وربما يكون للمولود ولو بعض من نصيب في التميز ويصبح مثل صاحب الاسم الأصلي، ومن يومها عرفت أن هناك شخصية يكن لها الجميع محبة واحترامًا شديدين، لا لأنه ابن العمدة السابق الحاج عبد العليم سيد رحمه أو لأنه شقيق العمدة الحالي آنذاك يحيى عبد العليم رحمة الله عليهم، بل لأنه كان الوحيد من ضمن أبناء عبد العليم ومن قلندول كلها، بل ومن القلة النادرة أو قُل؛ النخبة أو صفوة الصفوة الاجتماعية والتعليمية في محافظة المنيا ممن احترفوا العمل السياسي والاجتماعي.
وبالإضافة إلى وظيفته التي كان يُشار إليها بالبنان آنذاك وهي طبيب بوزارة الصحة ومن ثم مديرًا للإدارة الصحية بالمركز، غير أن شهرته الأكبر واتساع نطاق خدماته امتد من الوحدة الصحية بقلندول وغيرها إلى نطاق أوسع في كل القرى والمراكز المجاورة لملوي وهو ما أتاحته له عضويته لمجلس الأمة منذ منتصف الستينيات، وبعدها تمثيله لمركز ومدينة ملوي في مجلس الشعب طوال حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. لذلك كان ما أن يأتي إلى القرية، إلا ويتدافع المحبون وأصحاب الحاجات إلى دوّار العمدة يحيى- قِبلي البلد- ليتوسط لهم لدى شقيقه لقضاء حاجاتهم في مؤسسات وهيئات حكومية، سواء كانت إنجاز ورقة أومستند رسمي أو إلحاق البعض ببعض الوظائف الحكومية البسيطة المتاحة آنذاك لأبناء الفقراء خاصة ممن لم يكملوا مشوارهم التعليمي.
الدكتور أحمد ماهر عبد العليم.. سلالة الكبار رأيته للمرة الأولى وكنت بصحبة جدي؛ كان رجلاً رِبْعَةً مدكوكًا، لا تفارق الابتسامة وجهه، فرحت به حين سمعته يمتدح جدي ويغبطه على محبة الناس له، وفرحت أكثر حين ربت على كتفي ومسح على رأسي بكفه وهو يقول: عاشت الأسامي يا سي يوسف. وظلت هذه الواقعة مصدر سعادتي طوال سنوات صباي وحتى الآن، ولِمَ لا؟ فالمضيف رمز جميل من رموز البلد قلما يتصادف وجوده، ونادرًا ما تتاح فرصة اهتمام بطفل مثلي من مثله.
مضت سنوات وراءها سنوات، وكبر أبناء جيلي وعرفوا ما الذي يعنيه اسم “أحمد ماهر عبدالعليم”، قرأناه كثيرًا فوق لافتات مصنوعة من أقمشة الدبلان والدَّمُّور” أو ملصقات ورقية في مواسم الانتخابات طوال حقبتي السبعينيات والثمانينيات. وهو بالطبع كان عضوًا برلمانيًا قبل ذلك بسنوات طويلة فقد كان عضوا بمجلس الأمة في نهاية الستينيات. ورغم اتخاذه مدينة ملوي مسكنًا له بحكم الوظيفة كطبيب، ثم مديرًا للإدارة الصحية؛ إلا أنه لم ينقطع عن البلد، بل كان في تواصل مستمر طوال أيام العام وفي معظم المناسبات. وكان منزل الدكتور أحمد ماهر بشارع مركز ملوي مقصدًا لكثيرين من أصحاب الحاجات من ربوع قرى مركز ملوي البالغ عددها مايقارب 75 قرية.
لمدة تزيد على ربع القرن؛ ظل د.أحمد ماهر عبد العليم، في العمل الخدمي العام كحالة شخصية وبالموازاة مع ذلك عمله الرسمي في المجال الطبي والصحي، وشغل الدكتور أحمد ماهر منصب عمدة قلندول لمدة عشر سنوات بعد وفاة شقيقه العمدة يحيى، وكان يشغل منصب وكيل أول وزارة الصحة بالمنيا. وكان ما أن تذكر اسمه في أي مكان بطول محافظة المنيا وعرضها، حتى تنقضي مصالحك، وتنال من الاهتمام والرعاية ما لا يلقاه غيرك؛ بشرط أن تكون صاحب حق قانوني أو إنساني. ولعل ما ساعد الدكتور ماهر على تكوين هذه الأرضية في شتى قرى ملوي، كثير من الأسس والمرتكزات، أولها- وبالتأكيد أهمها- يتمثل في تواصل جهوده الخدمية، أيضا وهذا أساس كل شيء؛ ما سبق جهوده وتميزه واشتغاله بالسياسة، كان العطاء اللامحدود لوالده العمدة الأسبق عبدالعليم سيد، فهو الذي طالب الخواجة جورجي وكان من كبار الإقطاعيين في ملوي والمنيا وأبناءه بالتبرع لأهل بلده بقطعة أرض من أملاكهم تزيد على السبعة أفدنة لتقام عليها الوحدة المجمعة التي تتكون من المدرسة والمستشفى والمنحل ومشغل النسيج وحظيرة المواشي البيطرية. ويذكر له الكبار من أهل القرية كما يقول الأستاذ محمد عبد المعبود المحامي؛ أنه قال للخواجة جورجي: يكفي ما أخذتموه من البلد والدولة فلتعيدوا بعضه لخدمة الناس. وأقنعهم بالتبرع بعد رفض طال منهم بطبيعة الحال. ويذكر للعمدة عبد العليم سيد أيضًا أنه وبقوة شخصيته استطاع اقتناص المجلس القروي من بين أنياب فطاحل ذلك الزمان ليكون مقره بلده وبلدنا قلندول وكان يخدم أكثر من 9قرى تحيط بزمام قلندول.
الدكتور أحمد ماهر عبد العليم.. سلالة الكبار ولأن ما يؤسس على خير ونقاء بالتأكيد يثمر ويزيد ويستمر بكل الخير، فالعمدة الأسبق عبدالعليم سيد الحاصل على شهادة العالمية من الأزهر الشريف، نجح أيضًا وهذا هو المهم، في رعاية زرعة عمره، وأعني أبناءه، التي أثمرت وجادت بحصاد ومحاصيل ثمينة تمثلت في المناصب التي احتلها هؤلاء الأبناء وكذلك الأحفاد، لذا فإنك لن تجد واحدًا من أبنائه لا يحتل موقعًا متميزًا سواء في التحصيل التعليمي أو في السياق الوظيفي، كما سبق وذكرت، فهاهم أشقاء الدكتور ماهر وهم كل المحاسب فوزى عبد العليم وكان يشغل منصب وكيل وزارة المالية، والمهندس توحيد عبد العليم وكيل الاسكان والتخطيط، والمحاسب عزت عبد العليم سكرتير عام مصلحة الشهر العقاري، والعمدة الأسبق يحيى عبد العليم- بكالوريوس تجارة، وتولى العمودية بعد وفاة والده. وللمرحوم فوزي عبد العليم ابنان هما؛ اللواء أسامة فوزي عبدالعليم أطال الله عمره، وكان مساعدًا لوزير الداخلية، والمستشار ممدوح فوزي عبدالعليم بالنيابه الإدارية ومفتش محاكم فيما بعد، ونجله سيادة السفير حازم ممدوح وهو الآن القنصل المصري بهولندا، و الدكتور حسن عزت عبد العليم رحمه الله عليه كان مساعد وزير الصحة، والجيولوجي محمد توحيد وكيل وزاره البترول وذلك على عهدة الصديق الأستاذ بكر كمال الذي صحح لي ماغاب عني من أسماء أغصان هذه الكرمة المزهرة.
ولا تنقطع عطاءات الشجرة المثمرة لشخصيات متميزة في عطاءاتها أو مناصب قيادية تخدم الوطن وأهل البلد، فها هو الدكتور أسامة علي فهمي حفيد العمدة عبد العليم يواصل رحلة خاله الدكتور أحمد ماهر عبد العليم في الطب ويؤدي رسالته في خدمة أهل بلده، وشغل دكتور أسامة على فهمي منصب مدير مستشفى ملوى العام ثم مدير عام الطب العلاجى لمحافظة المنيا، ويعمل الآن استشاري جراحة الكلى والجراحة العامة، ولتميزه في مجاله الطبي وإنسانيته في التعامل مع مرضاه، تم تكريم د. أسامة بحصوله على الجائزة الأولى للطبيب المثالي على مستوى محافظة المنيا ٢٠١٠ وتم ترشيحه لبعثة إلى جامعة هارفارد في العام ذاته، كما تم تكريمه كأبرز طبيب مثالي على مستوى الجمهورية عام ٢٠١٤
أما الحفيد الثاني فهو اللواء طارق يحيى الابن الوحيد للعمدة يحيى عبد العليم ويتولى الآن منصب مدير المباحث الجنائية بمديرية أمن الأقصر.
ــــــــــــــــــــــــــ
** من “بورتريهات قلندول” كتاب يصدر قريبًا للكاتب الصحفي يوسف وهيب