أخبار مصرالصحة والجمال

مستشفى المنيرة وتباشير الأمل في منظومة الصحة

يوسف وهيب

لو ظللت جالسًا هكذا أمام شاشة اللابتوب والتليفون أو وراءها؛ وأنت تؤجر رأسك مراحيض عامة لكل من يكتب أو ينشر فيديو يعدد فيه المساوئ والسلبيات في شتى أماكن الخدمات وخاصة الصحية منها، لن تبرح خيالك تلك الصورة المتهالكة عن المستشفيات الحكومية، حيث لا رعاية ولا أماكن صحية بالمعني لاستقبال المرضى، ناهيك عن تدهور صالات الاستقبال والطوارئ، أو تلك الصور البشعة التي لا تزال راكزة في ذاكرتنا عن تعامل تلك النوعية من الممرضات اللواتي كانت تصرفات معظمهن أقرب للقادمات من وردية جزارة في المدبح، أو شِفت تسوّل أمام المعابد بأنواعها، ولن أذكرك بما كان عليه تعامل الأطباء، رغم ما قد تضعه في اعتبارك من أعذار للجميع في ظل تدني مرتباتهم مقارنة بغيرهم في وظائف أخرى أحيانا يكون صاحبها بدون مؤهل أو حاصل على تعليم متوسط مثل البترول والكهرباء والبنوك! تذكر فقط أنه لوقت قريب كان بدل العدوى -أو لا يزال- 19 جنيها للطبيب، وأن أعلى معاش لطبيب- قضى جُلَّ عمره في خدمة المرضى بالمستشفيات، وقبلها سبعة أعوام في كلية الطب، إضافة إلى دراساته التالية في الماجستير والدكتوراه- لا يزيد عن 4آلاف جنيه!
هذا ما كانت عليه الصورة في ذهني وبالطبع في أذهان البعض غيري. حتى جاء يوم 20 فبراير الماضي، وتعرضت زوجتي الحبيبة السيدة عايدة رزق لأزمة صحية. وقادتنا سيارة الإسعاف إلى مستشفى المنيرة، وبدءًا من بوابة دخول الطوارئ، حوالي الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم “العشرين من فبراير” فوجئنا بمستوى تعامل واعتناء يذكرك بما تراه في مشاهد الأفلام القديمة الأبيض وأسود، هذا طبيب يجرى إلى مريض أو مريضة هناك، وتلك طبيبة تفحص مريضًا آخر، وأطباء آخرون يجيبون على أسئلة أهل المريض او من تعرض لطارئ أو حادث، باختصار خلية نحل لا تهدأ، المفرح في الأمر معظم هؤلاء الطبيبات والأطباء من الشباب، وأكبرهم في أواسط العمر أو لم يتجاوز الأربعين.
ولا ينسى المرء بالطبع تلك الصورة التي بدا عليها رجل الإسعاف “المسعف” الذي نقلنا بكل عناية من البيت إلى المستشفى- وآسف لارتباكي آنذاك إذ أنني لم أسأله عن اسمه- ذلك الرجل الذي لم يتركنا بكرسي الاسعاف، بل ظل يتنقل معنا داخل المستشفى من مكان لمكان لمدة زادت على الساعتين.
أشياء كثيرة حدثت؛ لم أكن أتوقعها أبدًا، بدءًا من الفحص، ثم أخذ عينة تحاليل، وبعدها تم عمل رسم قلب، ثم إجراء أشعة مقطعية على الدماغ، للكشف عن سبب حالة الإغماء تلك اليت أصابتها فجأة، واستمرت أكثر من ثلاث ساعات. التوتر والقلق كانا هما المسيطران على جميعنا؛ شقيقها الدكتور عادل وابنته هايدي وأنا؛ إلى أن قال لي الدكتور محمود وهو طبيب شاب في قسم الطوارئ: اطمئن، المسألة مجرد نقص في الصوديوم والبوتاسيوم وبعض عناصر ومعادن أخرى.. ها نظبطهم وتبقى تمام التمام.. لا تقلق”..
وما بين جري الدكتور محمود والدكتور محمود الثاني وهو ينتمي لإحدى الدول العربية كما يتبين من لهجته، واهتمام الممرضات، حتى ان إحداهن لم تستنكف أن تساعدني في تغيير ملابس المريضة الداخلية، حين طلبت منها ذلك على استحياء.
وتكلل جهد هؤلاء في حوالي الساعة الثالثة صباحًا، أن حركت عايدة جفنيها، وطوحت يدها وكادت تسحب الخراطيم والأجهزة دونما تقصد طبعا. هنا تنهدت شاكرًا لكل هؤلاء ومن قبلهم شكرت الله لما صنعه معنا بأيدي هؤلاء المجتهدين.
وفي اليوم التالي، خرجت من الرعاية المركزة تم إدخالها لقسم الرعاية اللاحقة أو الملاحظة، ولم يكتمل اليوم حتى تم إدخالها قسم العلاج الاقتصادي، وكما كان الاهتمام وخلية النحل التي تعمل بالطوارئ والعناية المركزة، هذا ما حدث أيضًا وأكثر في غرفة رقم 5 بالعلاج الاقتصادي، فهذه دكتورة منال البشوشة الطيبة تمر عليها صباحًا وتفحصها ثم تأمر بإجراء التحاليل، مع استمرار تعليق محاليل البوتاسيوم والصوديوم، ومساء تمر الدكتورة دعاء الجادة المدققة في مراجعة الحالة يومًا بيوم، او الدكتور رمضان أو صديقنا الدكتور وليد استشاري الجراحة بالمنيرة الذي زارنا زيارة خاصة ليست من مهامه بالمستشفى وطمأننا بكل ما يمنح المريض ومن معه بالأمل.
ولعله وراء هذا الفريق المبهر من أطباء المنيرة النشيطين الذين ينفذون قسم أبقراط الطبي بكل دقة وإنسانية، هناك كتيبة أخرى يقع على عاتقها أكثر من 75% من التعب والجهد والسهر لرعاية المريض والاستجابة لمطالبه ومطالب مرافقيه، وأعني بهؤلاء؛ كتيبة التمريض، شابات دارسات بكليات التمريض، متفائلات بشوشات، كل منهن تؤدي عملها وواجباتها بكل دقة وتدقيق. هيئات جميلة مبتسمة مثقفة في حدود مهنتها، قادرة على محو العار القديم المتمثل في الممرضات القديمات خريجات المدبح. ومن هؤلاء لا ننسى كل من؛ مشرفة التمريض بالقسم نهى أم نور، وكيف كانت تهتم بكل كبيرة وصغيرة بدءًا من تنظيف الغرفة وترتيبها، حتى جرعات العلاج والتغذية وغيرها، وأيضا رفيقاتها في العمل كل من أسماء وسارة ودينا ورحمة وغيرهن الكثيرات من ممرضات يسهرن الليل طوله في رعاية المريض.
شكرًا إدارة مستشفى المنيرة.. شكرًا وزارة الصحة متمثلة في الدكتور خالد عبد الغفار ومساعديه. تلك الوزارة التي محت العار القديم وما كانت عليه المستشفيات الحكومية من صور بشعة كانت لا تليق بمصر وأهلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى